في القضايا التي تمس حياة الإنسان، لا تتوقف المسؤولية عند تسجيل الواقعة، بل تبدأ من البحث في كل تفصيل أحاط بها، وصولاً إلى حقيقة واضحة تحدد ما جرى، وتكشف أوجه الخلل إن وُجدت، وتضع المسؤولية في مكانها الصحيح.
وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة فتحت الباب أمام تحقيقات رسمية للوقوف على ظروف توقيفه وما رافق تلك الفترة من إجراءات، ولا سيما أن غميرة كان يعاني من مرض الناعور، وهو ما يجعل التدقيق في ظروف التوقيف والرعاية التي تلقاها جزءاً أساسياً من مسار التحقيق.
وبعد إعلان بدء التحقيق في القضية، اتخذت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية خطوة جديدة تمثلت بتوقيف 7 أشخاص كانوا موجودين في نظارة قسم شرطة الحفة خلال فترة توقيف غميرة، ووضعهم على ذمة التحقيق، بهدف الاستماع إلى إفاداتهم واستكمال جمع المعلومات المتعلقة بما جرى داخل القسم خلال تلك الفترة.
ولا يعني التوقيف بحد ذاته ثبوت المسؤولية، إذ تبقى نتائج التحقيق هي الفيصل في تحديد دور كل شخص، وما إذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات تستوجب المساءلة القانونية. ويأتي هذا الإجراء في إطار محاولة بناء صورة متكاملة عن القضية، بعيداً عن الاكتفاء بجزء واحد من تفاصيلها.
وكانت قيادة الأمن الداخلي قد أعلنت قبل يومين فتح تحقيق في ملابسات توقيف غميرة، بما يشمل الإجراءات التي اتُخذت بحقه، وظروف التوقيف، ومدى توافقها مع الأصول القانونية المعتمدة. كما أكدت مراعاة وضعه الصحي خلال متابعة القضية، نظراً إلى معاناته من مرض الناعور.
وفي موازاة التحقيقات التي تجريها الجهات المختصة، عبّر وزير الداخلية أنس خطاب عن تعازيه ومواساته لأهل وذوي الشاب، عقب وفاته، سائلاً الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يلهم أسرته الصبر والسلوان.
وأكد خطاب أن أي مخالفة أو تجاوز يثبت ارتكابه من قبل عناصر وزارة الداخلية لن يكون خارج نطاق المحاسبة، مشدداً على أن التعامل مع أي مخالفة سيكون بحزم، وأن كل من تثبت مسؤوليته سينال جزاءه العادل بعد استكمال التحقيقات والإجراءات القانونية.
وتكتسب هذه التأكيدات أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى أن تبقى التحقيقات قائمة على الأدلة والوقائع، وأن تحدد المسؤوليات وفق ما تثبته نتائج اللجنة المختصة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاستنتاجات غير المكتملة.
فالغاية الأساسية من التحقيق ليست فقط معرفة ما حدث في لحظات توقيف غميرة، وإنما الوقوف على مجمل الظروف التي أحاطت بالقضية، بدءاً من الإجراءات المتخذة عند التوقيف، مروراً بظروف وجوده في النظارة، وصولاً إلى ما جرى خلال فترة احتجازه.
ومع استمرار التحقيقات، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستكشفه نتائج اللجنة المختصة، وما إذا كانت ستحدد وجود مخالفات أو تقصير أو تجاوزات، ومن يتحمل مسؤولية ذلك في حال ثبوتها.
وفي نهاية المطاف، فإن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يمثل الأساس في هذه القضية؛ فالمحاسبة العادلة لا تقوم على الانطباعات، بل على التحقيق والأدلة وتحديد المسؤوليات، بما يضمن إنصاف ذوي الشاب محمد حسام الدين غميرة، ويؤكد في الوقت نفسه أن أي تجاوز يثبت وقوعه يخضع للمساءلة وفق القانون.



